البورباغندا و اسكات صوت المقاومة

البورباغندا و اسكات صوت المقاومة

بقلم طارق الطيب

لم يعد التضليل الثقافي مجرّد كذبة تُقال في الإعلام، بل صار مشروعًا متكاملًا لسرقة العقول وتبديل البوصلة، مشروعًا يطال الوعي السوداني نفسه في لحظةٍ تاريخيةٍ يحاول فيها أن يعيد تعريف ذاته وسط الركام. فاليوم، لا تُشنّ الحرب فقط في الميدان، بل أيضًا في الفضاء الرمزي: على الذاكرة، على المعنى، وعلى حقّ الناس في سرد حكايتهم بأصواتهم.

صار الوعي السوداني هدفًا لمحاولاتٍ دقيقة لإعادة هندسة الانتماء، عبر رواياتٍ مصنوعة بعناية تتخفّى تحت عناوين الحداثة والانفتاح، لكنها تُنتج اغترابًا ثقافيًا يمهّد لقبول ما لم يكن ليُقبل يومًا. يُعاد تزييف التاريخ الوطني باسم “الموضوعية”، وتُختزل قيم الكرامة والمروءة والنجدة في شعاراتٍ براقة تخفي وراءها مشاريع النفوذ والسيطرة.

لقد تغيّر وجه البروباغندا في السودان كما تغيّر في العالم؛ لم تعد صاخبة كما في حقبٍ مضت، بل صارت ناعمة الملمس، تتسلل من خلف الشاشات، في لغةٍ محليةٍ مألوفة، عبر مؤثرين وصنّاع محتوى يبدون عفويين، لكنهم في الواقع يحملون رسائل مُعدّة مسبقًا لتوجيه الانطباع العام. فالكذبة اليوم لا تُقال بفظاظة، بل تُقدَّم كمنتجٍ جذّابٍ ومصقول، يُباع على أنه “رأي حر” أو “تحليل موضوعي”.

وفي قلب الخراب الذي خلّفه الصراع المسلّح منذ أبريل 2023، تداخلت خيوط البروباغندا مع خيوط الحرب ذاتها. لم تعد المعركة على الأرض وحدها، بل على الرواية التي تفسّر تلك الأرض: من المقاتل ومن الضحية؟ من يدعم ومن ينهب؟ كيف تُروى القصة؟ ومن يملك حقّ روايتها؟

تقارير وتحقيقات ميدانية من وكالاتٍ دولية ومنظمات حقوقية أشارت إلى أدوار قوى إقليمية ودولية في تغذية النزاع، عبر تسليح وتمويل جماعاتٍ ميليشياوية عميلة قوات الجنجويد ووكلاء محليون يعملون كأذرع اقتصادية وأمنية لتلك القوى. هؤلاء لم يكونوا سوى أدواتٍ رخيصة في مشروعٍ خارجيّ يسعى إلى السيطرة على الذهب والموانئ وخطوط التجارة، وإعادة رسم المشهد السياسي بما يخدم مصالح غير سودانية.

لم تعد الهيمنة في السودان عسكرية فحسب، بل اقتصادية ورمزية، تُمارَس باسم “الاستثمار” و“الاستقرار”، بينما تُستغلّ أدوات محلية وواجهات إعلامية لتمرير خطابٍ يبرّر النهب والتفكيك. هكذا تحوّلت خريطة النفوذ إلى خريطة احتلالٍ ناعمٍ وخشنٍ في آنٍ واحد.

إنها حربٌ تُدار بالرصاص وبالسرد معًا؛ بالمدافع وبالمنشورات، بالخوف وبالإلهاء. وبينما تحتل المدن ويُهجّر الناس، يجري أيضًا اغتيال الذاكرة وتشويه التاريخ، ليبدو الجلّاد ضحيةً، والمحتلّ “شريكًا في التنمية”، والعميل “فاعلًا وطنيًا”.

لكن وسط هذا الظلام، ينهض الوجدان السوداني كما فعل دومًا.

من رحم الخراب تولد المقاومة الثقافية كضرورةٍ وجودية. أن تكتب اليوم في السودان هو فعلُ صمود، أن توثّق، أن تسائل، أن ترفض تسطيح الحقيقة. فالشعراء، الفنانون، الصحفيون، والباحثون باتوا في الخط الأمامي من معركة الوعي، يواجهون محاولات سلخ الهوية وتدجين الذاكرة التي يقودها وكلاء الخارج وأدواته الميليشياوية.

نحن اليوم أحوج ما نكون إلى ثورة ثقافية سودانية تعيد للناس حقهم في التفكير والحلم، وتضع الحقيقة في مواجهة التضليل، والذاكرة في مواجهة محاولات المحو. ثورة تجعل من الكلمة سلاحًا، ومن القصيدة درعًا، ومن الفن خندقًا مفتوحًا للوعي، لأن من يملك السرد يملك الغد.

وفي زمنٍ تُباع فيه الأوطان عبر وسطاء وميليشيات، لا بد من بناء خطابٍ جديد يواجه أدوات الاحتلال الناعم بشفافية وتحقيقٍ مستقل ومساءلةٍ حقيقية، تفضح من يحاول التحكم بمصير البلاد عبر رأس مالٍ مشبوه أو سرديةٍ مصطنعة. فالمعركة على السودان ليست فقط على الجغرافيا، بل على الروح التي ترفض أن تُستَبدل أو تُستَزرع، وعلى الكرامة التي لا تُشترى ولو بذهب الأرض كلّها.