بقلم علا ميرغني
توصيف الدعم السريع ظل محور صراع بين روايتين. الأولى أنها قوة سودانية خالصة نشأت تحت ظروف أمنية وسياسية مُعينة. والثانية تؤكد أنها تحولت لأداة لنفوذ الإمارات تعمل خارج مصالح السودان.
وبين التوصيفين هناك من يسعى لتغييب جزء، ولتسليط الضوء على آخر لخدمة خطاب سياسي أو لتبرير عدوان قائم.
لا يمكن إنكار أن الدعم السريع بدأ كقوة ذات جذور قبلية محلية، وتعتمد بنيوياً على ولاءات اجتماعية. ولكن هذه النشأة لم تعد تعكس حقيقة وتكوينها القائم اليوم. فالتحولات في السنوات الأخيرة من حيث التسليح والتمويل تجاوزت التكوين القبلي، بل وتتحرك وفق حسابات أكبر وأصبحت أشبه بكيان عسكري موازٍ يمتد خارج المجتمع المحلي.
حين تعتمد قوة مُسلحة على تمويل وتوجية من دولة خارجية، فإن ذلك يخلق تلقائياً ازدواجاً في الولاء ويجعل قرارها رهين بمصالح الجهة التي تمولها.
وفي حالة الدعم السريع، فإن التقارير الأممية والصحفية المتعددة وكذلك الأدلة التي قدمها السودان للأمم المتحدة حول الدعم القائم من الإمارات، من سلاح وطائرات مُسيرة والإمداد المالي، تظهر بوضوح أن العلاقة تجاوزت الدعم السياسي إلى الرعاية العسكرية. ما يُحدد إتجاة القوة وقراراتها وقدرتها على الاستمرار في الحرب.
ومن هنا يسقط إعتقاد أن الدعم السريع يستطيع إتخاذ قراراته بمعزل عن الإمارات.
رواية النشأة القبلية للدعم السريع تصطدم بحقيقة أُخرى. ألا وهي وجود مُقاتلين (مُرتزقة) من دول متعددة، جنوب السودان، تشاد، ليبيا، كينيا، أوكرانيا، كولومبيا، بحسب تقارير إعلامية وشهادات ميدانية.
هذا الخليظ يضعنا أمام قوة قتالية هجينة البنية لا يمكن بطبيعة الحال تفسريها ضمن إطار قوة محلية أو قبلية. بل كيان عسكري يعمل عبر شبكات تجنيد وتمليش عابرة للحدود وبتسهيلات لوجستية لا يمكن أن تصلها قوة محلية بدون داعم خارجي قوي.
لم يعُد التكوين، والتمويل والتسليح والتحرك محليين أبداً.
وهنا يسقط إعتقاد أن الدعم السريع قوة محلية بحتة.
ولكن لماذا الإصرار على اختزال الحقيقة؟
بالفعل هو ليس توصيف بريء بل اختزال يخفف مسؤولية الدعم الخارجي بتصويره كعامل ثانوي وليس مُحرك رئيسي، كما وإخفاء طبيعة قوات الدعم السريع التي أصبحت قوة مرتزقة عابرة للحدود.
الحقيقة هي أنه نعم النشأة كانت محلية ولكن التكوين الحالي والدور الذي يقوم به الدعم السريع بالتأكيد لم يعد كذلك.
التمويل والتسليح جعل منه قوة تعمل ضمن شبكة نفوذ إقليمية ودولية لا علاقة لها بمصلحة السودان.
رفض الواقع ليس موقفاً تحليلياً، بل إنحياز لدعاية سياسية تخدم مصالح مُعينة، أما الحقيقة فهي واضحة.
تسمية الأشياء بمسمياتها ليس ترفاً، بل حقٌ للضحايا أولاً. وضرورة لمواجهة التضليل، كما وأن التاريخ لن يغفر لمن شوّهوا الحقيقة.