السودان مركز الصراع الخفي بين الرياض وأبوظبي

السودان مركز الصراع الخفي بين الرياض وأبوظبي

بقلم نهار ديفيد

صراع النفوذ بين الإمارات والسعودية هو جزء من معركة أوسع على قيادة الشرق الأوسط في ظل تنافس القوى العالمية الإمارات تحاول إبراز نفسها كقوة إقليمية حديثة عبر تحالفها مع إسرائيل و عبر اتفاقيات أبراهمية بينما تتمسك السعودية بثقلها الديني والاقتصادي وعلاقتها بواشنطن ما يجعلها أكثر تحفظاً اتجاه التطبيع الكامل أما قطر فتتحرك بمرونة مستفيدا من نفوذها الدبلوماسي لتوازن بين الدوليتين دون مواجهة مباشرة

يمثل السودان اليوم في المشهد الإقليمي الأكثر تعقيدا في الصراع السعودي الإماراتي فهي ليس مجرد ساحة حرب داخلية بل نقطة نفوذ إقتصادية، و جيوسياسية تمتد أهميتها من البحر الأحمر إلى قلب إفريقيا و شرق الأوسط ومن يتعمق في ملف السودان يدرك ما أتناوله فما يجري في السودان لم يعد صراعاً داخليًا بقدر ما أصبح مواجهة إقليمية بين مشروعين متناقضين مشروع يريد الحفاظ على الدولة السودانية ووحدتها ومشروع آخر يعمل على تفكيكها وتحويلها إلى مركز نفوذ إقتصادي عسكري عابر للحدود،

السعودية تنظر إلى السودان بإعتباره امتداداً مباشر لأمنها القومي فالساحل السوداني على البحر الأحمر، وطول شريطه البحري والموقع الحيوي للموانئ السودانية كلها عوامل تجعل من استقرار السودان ضرورة إستراتيجية للرياض لذالك تبنت السعودية موقفًا واضحًا في دعم الجيش ليس فقط من أجل الحفاظ على مؤسساته ، أو أمنه، أو وحدته، القراءة الحصيفه والتحليل الإستنباطي يبين بأن الرياض تمنع إنهيار الدولة السودانية وتحولها إلى منطقة “فوضى تهدد منافذها البحرية والممرات المائية ” التي تستخدم الرياض عبرها نفوذها الإقتصادي بنسبة هائلة من تجارة الدولية ونقل الطاقة! كل هذه السيناريوهات تدرك السعودية أن سقوط الدولة السودانية في يد المليشيات سيجعل البحر الأحمر منطقة مفتوحة لقوى خارجية تنافس الرياض في مجال النفوذ البحري، والأمني.

أما الإمارات فقد اختارت مسارا مختلف جذرياً يقوم على دعم قوات الدعم السريع وتثبيت نفوذها العسكري والاقتصادي كإستراتيجية أولية وبعده الإستيلاء علي السودان وهذا الدعم التي تتلقاه الدعم السريع لم يكن تحركاً عابراً وإعجاب لعيون الدعم السريع بل امتداداً لاستراتيجية أوسع تقوم على السيطرة على الموارد الطبيعية وعلى رأسها الذهب، واليورانيوم وإنشاء شبكة نفوذ تمتد من دارفور إلى العمق الإفريقي بما يخدم مشروعًا إماراتيًا يقوم على التمدد الاقتصادي والعسكري داخل بلدان القارة الإفريقية بالأخص الدول ذات موارد وذات هشاشه يمكنها من السيطرة عليها بعيدًا عن سلطة الدولة فالإمارات ترى أن المليشيات أدوات فعالة لبناء نفوذ سريع وغير مكلف ولهذا استخدمت النموذج نفسه في اليمن وليبيا وسوريا وتعمد إلى تطبيقه في السودان بصورة أكبر وأكثر وضوحاً لكن كان العائق لهذا المشروع ووقف بمبادئها وإيمانها القاطع لتشتيت هذه الحلم هي مدنية الفاشر شمالي دارفور التي قلبت الموازين و كان سقوط الفاشر المدينة التي كشفت أمام العالم حقيقة ما يجري وما يتناوله المدنيين داخل الفاشر وكل مناطق تحت سيطرة الدعم السريع وإنكشف زيف العالم وحقيقة دور الإمارات عبر وكيلها الدعم السريع ممارساته وتهجيره وإرتكابه إبادة جماعية لمواطني الفاشر وإحتجازهم وخطفهم ودفع فديات… الخ

كل هذه الجرائم إرتكبتها الإمارات عبر وكيلها الدعم السريع هذه الجرائم موثقة بتقارير منظمات دولية ومجلس حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أخر جلستها أكد ذالك وقف ألاف التقارير هذه الجرائم والانتهاكات ومع توسع التغطية العالمية وظهور أدلة على حجم الدعم العسكري واللوجستي الذي تلقته المليشيا من دولة الأمارات، بدأت الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي وبرلمانيو العالم يتحدثون عن الحقائق وتصريحاتهم واضحة وتحدثوا بوضوح عن الدعم اللوجستي التي توفره الإمارات لمليشيات الدعم السريع وفي هذه المتغيرات وجدت السعودية نفسها أمام فرصة لتثبيت موقعها كقوة إقليمية مسؤولة على النقيض من صورة الإمارات المتضررة ومع اتساع الضغوط على أبوظبي بدأت ملامح تحول في مواقف بعض الدول التي كانت صامتة تجاه ما يحدث في السودان دول إفريقية وإقليمية مثل مخرجات قمة دول البحيرات العظمى آلتي أكدت باجماع على تصنيف الدعم السريع كمنظومة إرهابية كل هذه حراكات الجيوساسية يشير إلى أن دول العالم أصبحت أكثر تحفظاً في التعامل مع الدعم السريع بعد انكشاف حجم الارتباطات الخارجية التي تحركه وفي المقابل يعد هذا انتصار الدبلوماسي لحكومة السودانية وكسب الجيش السوداني نقاط سياسية نتيجة تزايد قناعة المجتمع الدولي بأن المليشيا ارتكب جرائم حرب لا يمكن إخفاها و تغافل عنها و يصعب إعترافها و تعمل معها و كل ذلك لا يقراء بمعزل عن الضوء الأخضر الأمريكي لأوكرانيا لضرب النفط الروسي الذي يجعل النفط السعودي تتهيأ لتوسيع نفوذها في سوق الطاقة

هذا التحول لا يعني نهاية الصراع لكنه يشير إلى أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر حساسية إذ من المتوقع أن تزداد الضغوط الدولية على المليشيا وربما تتجه الأمور نحو محاصرتها سياسياً ومالياً خاصة مع دخول واشنطن بقوة على خط الملف السوداني كما أن السعودية بتحركاتها الدبلوماسية وحضورها في البحر الأحمر تبدو في وضع يسمح لها بإعادة رسم التوازن داخل السودان بطريقة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار الإقليمي وتقطع الطريق على المشروع الإماراتي الذي يقوم على تحويل السودان إلى منصة نفوذ اقتصادي عسكري غير خاضعة لسلطة الدولة وهكذا يصبح السودان اليوم ليس مجرد ساحة صراع بل مركز إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة كلها وكل تطور فيه سيعيد ترتيب علاقات الخليج وأمن البحر الأحمر والتحالفات الدولية في الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة.