بقلم عُلا ميرغني
ما يحدث في السودان اليوم ليس مجرد صراع داخلي أو “حرب أهلية”، كما يحاول البعض تصويره، بل هو جزء من مُخطط أوسع للقوى الإمبريالية للتدخل والسيطرة. هذا الوصف، “صراع داخلي” فقط هو تضليل واضح يقلل من حقيقة الدور المباشر الذي تلعبه بعض القوى الأجنبية، وعلى رأسها الإمارات، في تأجيج الصراع وقتل السودانيين.
إختزال الأزمة في كونها مشاكل داخلية يتجاهل أن التدخل الخارجي ليس حالة طارئة أو عرضية، بل له جذور تاريخية طويلة. بالتأكيد المشاكل الداخلية موجودة، لكنها – عبر التاريخ- لم تمنع القوى الإمبريالية من التدخل، بل في كثير من الحالات ساعدت هذه القوى على خلق أو تضخيم المشاكل لتبرير وجودها ونفوذها. التاريخ مليء بالأمثلة على استراتيجيات متكررة تستخدمها القوى الإمبريالية.
بدءاً بالاحتلال الاقتصادي عبر القروض والمشروعات الضخمة التي تجعل الدولة مقيدة ومرهونة بالمؤسسات والشركات الأجنبية، كما حدث في الإكوادور، حيث أصبحت الدولة مضطرة للتبعية للشركات الأمريكية. وتستمر بخلق التبعية السياسية والاقتصادية التي تجعل الدولة عاجزة عن اتخاذ أي قرار مستقل، كما نرى في مصر والدول الإفريقية التي أصبحت مرتبطة اقتصادياً بالغرب والمؤسسات الدولية. وإذا فشلت السيطرة الاقتصادية، يتم نشر الفوضى السياسية عن طريق الانقلابات، الاغتيالات أو تأجيج النزاعات الداخلية، مثل إيران سنة 1953 حيث أطاحت أمريكا وبريطانيا بالرئيس محمد مصدق بعد محاولته تأميم النفط، أو ليبيا سنة 2011 عندما أسقط الناتو القذافي وترك البلاد في فوضى مسلحة. وأحياناً، إذا فشلت كل الوسائل السابقة، يلجأ الاحتلال العسكري المباشر كما حدث في العراق 2003 وأفغانستان 2001 بذريعة الحرب على الإرهاب، لتتحول الدول إلى ساحات نفوذ دائم وسيطرة على الموارد.
السودان اليوم ليس استثناءً من هذه الاستراتيجية. التدخل الخارجي لا يقتصر على استغلال المشاكل الداخلية، بل يسعى أحياناً لإنشاءها أو تكريسها. التدخل الإماراتي في دعم القوات المسلحة ومليشيات مثل الدعم السريع هو مثال واضح على هذا النهج. وصف الحرب بأنها “حرب أهلية” هو تضليل يهدف إلى تقليل المسؤولية عن التدخل الخارجي، وإيهام الجمهور بأن الأزمة محلية فقط، بينما الحقيقة أن هناك تدخل خارجي واضح ومباشر يسهم في استمرار النزاع.
وهذا القول ليس تحليلاً موضوعياً، بل إنكار لحقيقة أن الإمبريالية تصنع الأزمات وتغذيها ثم تلوم ضحاياها على الخراب. من أفغانستان إلى ليبيا واليمن، يتكرر نفس السيناريو: دعم خفي، تدخل مباشر، انسحاب، ثم لوم الضحايا على الخراب. تجاهل الدور الإمبريالي في مأساة السودان ليس قراءة وطنية نزيهة، بل تكرار لأسوأ أخطاء التاريخ.