ترجمة لمقال نُشر في مجلة فورين بوليسي المعروفة.
إيقاف العنف الجاري في مناطق النزاع أمر عاجل، لكن مع تقنيات اليوم يصبح جمع الأدلة عاجلاً بالقدر نفسه.
تشرين الثاني/نوفمبر 21، 2025
بقلم: جانين دي جيوفاني، الرئيسة التنفيذية لمشروع “Reckoning” وزميلة أولى في كلية جاكسون للشؤون العالمية بجامعة ييل.
في التسعينيات، حين كنت مراسلة حروب، شهدت فشل العالم في منع إبادة جماعية مرتين، كما شهدت صعوبة محاسبة الجناة لاحقاً.
في البوسنة عام 1995، قُتل أكثر من 8,000 رجل وصبي مسلم في سربرنيتسا، البلدة التي أعلنتها الأمم المتحدة “منطقة آمنة”. وفي رواندا 1994، قُتل نحو 800 ألف شخص خلال 100 يوم فقط. كلا الجريمتين حدثتا أمام أعين المجتمع الدولي، وكشفتا عجزه عن جمع الأدلة وحفظها.
في ذلك الزمن، اعتمدت التحقيقات على شهادات الناجين وملاحظات الصحفيين والعمل البطيء والمؤلم لنبش المقابر الجماعية. وعندما بدأ التحقيق الدولي في جرائم يوغوسلافيا عام 1996، كانت القوات الصربية قد نبشت الجثث وأعادت دفنها لإخفاء الأدلة. لكن شيئاً جديداً ظهر من البوسنة: صور الأقمار الصناعية.
استخدمت الاستخبارات الأمريكية صور الأقمار الصناعية لاكتشاف التربة المضطربة حول قرى قرب سربرنيتسا، مثل بيليتشا ونوفا كاسابا، وهي مؤشرات على وجود مقابر جماعية. كانت الصور آنذاك بدائية وغالباً سرية، لكنها شكلت بداية ثورة تقنية في مجال المحاسبة، وقادت إلى ضغط دولي وساعدت في توجيه الباحثين على الأرض. استخدمت هذه الصور لاحقاً كأدلة في تحقيقات جرائم الحرب، وشاركتها الولايات المتحدة مع الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة.
على النقيض، في رواندا لم تكن توجد أقمار صناعية أو طائرات مسيّرة أو إمكانية وصول جنائي متقدم. يعود ذلك إلى سرعة وقوع الإبادة وقلة المراقبة الدولية. كان حضور الأمم المتحدة محدوداً، وعدد الصحفيين الأجانب قليلاً، وكانت تكلفة الصور الفضائية مرتفعة. كما أن الغابات الكثيفة في رواندا جعلت تحديد المقابر من الجو صعباً.
اعتمد المحققون – من خبراء الأمم المتحدة والصحفيين ولجنة الخبراء الدولية – بصورة شبه كاملة على الشهادات البشرية. كانت العملية بطيئة ومؤلمة، لكنها أساسية لقول الحقيقة ولعمل محاكم الغتشاتشا التقليدية. افتتحت المحكمة الدولية لرواندا عام 1994 وأغلقت في 2015 بعد توجيه الاتهام لـ93 شخصاً، لكنها لم تحقق عدالة سريعة أو شاملة.
بعد أكثر من 30 عاماً، تغيّرت أدوات التحقيق في جرائم الحرب بشكل جذري بفضل التطور التقني. ما كان يعتمد على قلة من المحققين أصبح يعتمد على تيرابايت من البيانات والصور والتقاطات الراديو. الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT) أعادت تعريف كيفية تتبع الجرائم والتحقق منها وملاحقة مرتكبيها.
بدأت المحكمة الجنائية الدولية استخدام الصور الفضائية بشكل منهجي في تحقيقها في دارفور منتصف 2000. وفي سوريا، نشر “اتحاد العلماء الأمريكيين” تحليلات مفتوحة لقرى مدمرة ومقابر جماعية، كما استخدمت منظمات حقوقية صوراً تجارية لتحديد مواقع قصف المستشفيات والمجازر ومراكز الاعتقال. وثّق الصحفيون المواطنون في حلب قصف البراميل المتفجرة والهجمات المزدوجة التي تنفذها الطائرات الروسية.
ثم ظهرت جيل جديد من المحققين الرقميين. استخدمت منظمة “بيلينغكات” الأدوات مفتوحة المصدر لتحديد مرتكبي هجمات في سوريا، ولاحقاً لتحديد القوات الروسية في أوكرانيا. وبنت منظمة “Forensic Architecture” نماذج معمارية وجغرافية لإعادة بناء الضربات الجوية، مثل قصف مسرح ماريوبول في 2022.
صحف كبرى مثل نيويورك تايمز أنشأت فرق تحقيق تعتمد على خبراء OSINT. هذا النوع من العمل طمس الحدود بين الصحافة والتحقيق الجنائي وجعل الإفلات من العقاب أصعب. التحقيقات الآن تُنشئ سجلاً عاماً للجرائم لا يمكن محوه أو إنكاره. ومع انتشار الهواتف، أصبحت الأدلة تُوثّق لحظة بلحظة.
عندما بدأت تغطية الحروب أواخر الثمانينيات في غزة والضفة، كانت أدواتي دفتر ملاحظات وهاتفاً ثقيلاً بحجم طاولة قهوة. لم يكن هناك إنترنت ولا صور فورية. اليوم، يعمل مشروعنا “Reckoning” بصورة مختلفة تماماً، إذ نجمع بين OSINT والتحليل الفضائي والتحقق الرقمي مع الشهادات والتحقيقات الميدانية. وندرب الصحفيين والمحامين على العمل معاً لجعل الأدلة صالحة للمحاكم.
عقد مشروعنا ندوة في جامعة ييل بعنوان: “كيف تمسك مجرم حرب في القرن الحادي والعشرين؟” ركزنا فيها على ثلاثة نزاعات: حرب غزة، الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب الأهلية في السودان، وكيف غيّرت التكنولوجيا مسار العدالة.
في السودان، حيث يُقدَّر أن أكثر من 150 ألف شخص قُتلوا منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، أصبحت الأدلة مرئية فعلياً من الفضاء. في أكتوبر، سقطت مدينة الفاشر في يد قوات الدعم السريع بعد حصار وحشي دام 18 شهراً، مع نقص حاد في الغذاء والكهرباء والمياه. تلت ذلك تقارير عن إعدامات جماعية واغتصابات ومنع متعمد لوصول المساعدات وظهور مقابر جماعية.
سقوط الفاشر لحظة مفصلية. لقد فات الأوان لمنع ما وصفته وزارة الخارجية الأمريكية بالفعل بأنه إبادة جماعية، رغم جهود مسؤولي الأمم المتحدة مثل توم فليتشر الذي وصف الفاشر بأنها “مسرح جريمة”. لكن اللحظة الآن هي للتوثيق والمحاسبة. إيقاف العنف مهم، وجمع الأدلة مهم أيضاً.
قال قسكوندي عبد الشافي، مستشار “فريدوم هاوس” السوداني، خلال مؤتمر ييل:
“من السماء فوق الفاشر، تلتقط الأقمار الصناعية آثار القرى التي مُسحت عمداً. ومع ذلك لا يزال العالم أصمّاً تجاه صرخات ترتفع أعلى من أصوات البنادق.”
أصدر “مختبر ييل الإنساني” صوراً فضائية تُظهر اضطرابات متسقة مع وجود مقابر جماعية. وتظهر الصور ما يبدو كعملية منظمة لدفن الجثث، أي تنظيف مسرح الجريمة. تساعد هذه الصور على تغيير الرؤية الدولية للحرب في السودان، من نزاع داخلي إلى جريمة ذات طابع ممنهج. وقد أظهرت بحوث المختبر أدلة قد تشير إلى نية إبادة جماعية وأنماطاً من الاستهداف المتعمد للمدنيين.
وتحدثت جيهان هنري، المحللة المخضرمة في شؤون السودان والمسؤولة عن عمل مشروع Reckoning في دارفور، قائلة:
“رأينا مقاتلي الدعم السريع يصورون أنفسهم وهم يقتلون المدنيين ويفتخرون بذلك. وقد تحققت منظمات حقوقية من هذه المقاطع وقارنتها بصور الأقمار الصناعية وحددت حتى أسماء بعض القادة.”
هذا التلاقي بين الأدلة – الشهادات والموقع الجغرافي والبيانات الوصفية والصور الفضائية – يجعل إنكار الجرائم أصعب من أي وقت مضى. كما يسمح بالكشف المبكر عن الفظائع، ما يمكّن المنظمات الإنسانية من التحذير أو حفظ الأدلة قبل ضياعها.
لكن التكنولوجيا ليست عدالة. الأقمار الصناعية تكشف الجرائم لكنها لا تحاكم الجناة. OSINT يتحقق من الأدلة لكنه لا يفرض القانون. الفجوة بين الأدلة والمحاسبة لا تزال كبيرة بسبب غياب الإرادة السياسية.
التحدي الآن هو دمج الأدلة الرقمية في آليات العدالة الرسمية. على المحاكم التكيف مع الأدلة الجديدة، وعلى الدول استخدام المعلومات المتاحة لملاحقة المجرمين. وعلى المواطنين أن يطالبوا بأن تتحول هذه البيانات من مجرد “بكسلات” إلى عدالة حقيقية.
قال المحامي السوداني معتصم علي:
“الاستخبارات مفتوحة المصدر وصور الأقمار الصناعية ليست فقط أدلة، بل يمكن أن تنقذ حياة الناس عندما يفشل العالم في التحرك.”
وأضاف: “علينا كشف هذه الانتهاكات للناس لمحاولة وقف الجرائم الآن ومنع تكرارها مستقبلاً.”
هو محق. لقد أصبحت التكنولوجيا شاهداً لا يمكن إسكاتُه. والسؤال هو ما إذا كان العالم سيختار أن يستمع.