تفكيك الدولة وإحلال الوكيل: جوهر المشروع الإماراتي في السودان

تفكيك الدولة وإحلال الوكيل: جوهر المشروع الإماراتي في السودان

بقلم أمين أيمن سليمان

إن من الخطأ الاستراتيجي الفادح، الذي يرقى إلى مستوى العمى السياسي، اختزال الصراع الدائر في السودان في طلقة عام 2023م أو انقلاب 2021م أو اتفاقٍ إطاري جرى الترويج له كمسار مدني فهذه مجرد واجهاتٍ خادعة تخفي عملية أكبر وأكثر خطورة: محاولة إعادة هندسة الدولة السودانية داخل مشروع إقليمي واسع هو البنية العميقة لما يسمى بـ ( الشرق الأوسط الجديد ) مشروع يقوم على تدمير الجيوش الوطنية واستبدالها بمليشيات تابعة، وعلى تسييل الدول وتحويلها إلى كيانات رخوة بلا سيادة.

ومنذ 2019م وضعت الإمارات يدها على القرار السياسي والأمني في السودان عبر المليشيا، وعبر أدوات مدنية خاوية بلا امتداد اجتماعي، وإعلام موجه يُعاد من خلاله تعريف الفاعلين والضحايا بما يخدم جدول الهيمنة. لم يكن الهدف يومًا انتقالًا سياسيًا أو فتح باب تسوية؛ كان الهدف تفريغ الدولة من محتواها وتكسير الجيش السوداني ( باعتباره آخر مؤسسة سيادية كبرى ) تمهيدًا لاستبداله بقوات مرتزقة لا ذاكرة لها ولا ولاء، تُدار مباشرة من أبوظبي.

وهذا النهج ليس طارئًا أو رد فعل ظرفي؛ إنه العقيدة الثابتة للمشروع الإماراتي في المنطقة: تفكيك الجيوش النظامية، تجفيف الدولة الوطنية، خلق فراغ سيادي شامل، وإحلال مليشيات محل المؤسسات المركزية، لجعل الإقليم قابلًا لإعادة الترتيب بما يتسق مع مشروع ( الشرق الأوسط الجديد ) حيث يُمنح الكيان الصهيوني الموقع المهيمن واليد العليا في معادلات الأمن والسياسة.

وقوى الهيمنة لا تعمل وحدها؛ فهي تحتاج دائمًا إلى أدوات داخلية ( جيش كمبرادورات ). ومن هذا الباب، يظهر الدور الوظيفي الذي تلعبه صمود عبر خطاب يتجنب عمدًا تسمية الإمارات كفاعل مركزي في هذه الحرب، ويختزل الصراع في ( فلول ) و( انقلابيين ) فيتحول هذا الخطاب إلى ساتر سياسي يحجب الوعي العام، ويمنح الممول الإقليمي والمليشيا فسحةً إضافية لتمرير مشروع تفكيك الدولة.

إن أخطر ما يجري اليوم لا يقتصر على الرصاص والمعارك، بل يشمل السرديات السياسية التي يجري ضخها بعناية لإعادة تعريف طبيعة الصراع وفق احتياجات أبوظبي وشركائها. ولهذا تحاول بعض الأصوات تحويل ما يحدث إلى ( نزاع جنرالات ) أو ( معركة سلطة ) بينما الواقع يقول بوضوح إن الهدف الحقيقي هو إسقاط الدولة الوطنية السودانية، وإعادة تركيبها على صورة كيان تابع، بلا جيش، بلا سيادة، وبلا قدرة على حماية نفسه.

وما يُطبق في السودان هو النسخة نفسها التي نُفذت في اليمن وليبيا وسوريا وغيرهم: السيطرة على الموانئ، تفكيك الجيوش الوطنية، تمويل مليشيات بديلة، وصناعة مشهد سياسي هش يمكن هندسته بالمال والنفوذ، مع حضور إسرائيلي ثابت كضامن استراتيجي لاستدامة هذه البنية المتصدعة.

إن ما يجري اليوم ليس صراع سلطه ولا نزاع جنرالات. إنه صراع وجودي بين مشروع دولة وطنية مستقلة، وبين مشروع إقليمي يعمل على تسييل السودان وتحويله إلى مساحة رخوة تُدار من أبوظبي، وتُربط قسرًا بمعادلة ( شرق أوسط جديد ) تُمنح فيه إسرائيل اليد العليا. وأي خطاب يتجنب هذه الحقيقة، أو يتواطأ في تجميل دور الإمارات، أو يختلق حيادًا يجانب الواقع، هو جزء مباشر من ماكينة الهيمنة.

وفي المحصلة، لا خيار أمام السودانيين إلا المقاومة: مقاومة مليشيات الجنجويد المجرمة، ومقاومة جيش الكمبرادورات العامل ضمن حرب الوكالة الإمبريالية التي تقودها دويلة الإمارات نيابة عن القوى الغربية، لتفكيك الدولة السودانية وتقطيع نسيج مجتمعها وإخراجها من التاريخ.

وسنظل نقولها بوضوح:

السودان باقٍ… والمشاريع الإمبريالية إلى زوال.