الإمارات تخلع قفاز الحرير: سياسة صناعة الأزمات والتدخل في حرب السودان

الإمارات تخلع قفاز الحرير: سياسة صناعة الأزمات والتدخل في حرب السودان

بقلم محمد الخير

لم تعد الإمارات تلك الدولة التي تظهر بصورة “شيخ العرب المنقذ” عبر الاستثمارات والمساعدات.

فخلف الواجهة المُدعاة، كان يُرسم نهج مختلف يقوم على صناعة النفوذ قبل الأزمات من ثم استغلال الفوضى بعدها.

نهج يتقاطع مع الرؤية الأمريكية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ما يمنح الإمارات مساحة للتحرك دون قيود كبيرة.

أولًا: الهندسة الإماراتية قبل الصراعات — بناء النفوذ وفتح الثغرات

قبل أن تنفجر الأزمات في أي دولة، كانت الإمارات تمارس ما يمكن تسميته بـالهندسة السياسية الهادئة، وتشمل:

1. اختراق الاقتصاد والمساعدات عبر

استثمارات ومشاريع ومساعدات تُستخدم لفتح الأبواب الخلفية للنخبة السياسية والاقتصادية، وتأسيس نفوذ طويل الأمد.

2. رصد الانقسامات وبناء تحالفات داخلية

لا تتدخل الإمارات عشوائيا وبحسن نية؛ بل تستثمر في الانقسامات داخل الدول، وتدعم أطرافًا محددة تراها مناسبة لمصالحها.

3. صناعة ثغرات سياسية

كانت الإمارات تملأ فراغات الدولة ببدائل موازية: شركات، شخصيات، قوى محلية. هذه الثغرات تصبح لاحقًا مفاتيح للتدخل حين تنفجر الأزمات.

4. التنسيق مع الولايات المتحدة

العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن تجعل التحرك الإماراتي — خصوصًا في مناطق حساسة مثل البحر الأحمر — يتم تحت مظلة دعم أو صمت أمريكي، مما يعزز قدرة أبوظبي على التدخل دون حرج.

ثانيًا: اليمن وليبيا… مختبرات النفوذ الخشن

اليمن

أظهرت الإمارات استعدادًا للتدخل العسكري المباشر، ودعمت تشكيلات مسلحة وأدارت مناطق نفوذ خاصة بها، ما كشف تحولًا خطيرًا من القوة الناعمة إلى القوة الخشنة.

ليبيا

كررت الإمارات السيناريو نفسه: دعم فصيل مسلح، تمويل عسكري، وتأثير مباشر في مسار الحرب، ما أثبت قدرتها على إدارة صراع كامل عن بعد.

هذه التجارب شكّلت الأرضية التي تطبّق الآن في السودان.

ثالثًا: السودان — الساحة التي كُشف فيها المشروع الخبيث بالكامل

مع اندلاع الحرب في السودان، برزت الإمارات كطرف خارجي مؤثر في الصراع.

ورغم نفيها، ورد اسمها في تقارير أممية وإقليمية بوصفها جهة مساهمة في تقوية مليشيا على حساب الدولة، ما أدى إلى:

*إطالة عمر الحرب

*توسع رقعة القتال داخل ولايات جديدة

*تقويض فرص التفاوض

*تفاقم الكارثة الإنسانية

*تعزيز نفوذ قوى موازية بدل دعم مؤسسات الدولة

لقد أصبحت الإمارات عاملًا رئيسيًا في تحويل الأزمة السودانية من صراع داخلي قابل للسيطرة إلى حرب مفتوحة.

رابعًا: لماذا السودان؟

تدخل الإمارات يرتبط بعدة أهداف استراتيجية:

1. السيطرة على الذهب

السودان أحد أكبر مصادر الذهب في المنطقة والعالم، وهو قطاع ترتبط به مصالح اقتصادية قوية للإمارات.

2. نفوذ على البحر الأحمر

السودان بوابة استراتيجية لممرات التجارة العالمية، وهو ما تسعى أبوظبي للهيمنة عليه ضمن سباق دولي يتضمن الولايات المتحدة.

3. تشكيل نظام سياسي قابل للتوجيه

تاريخ التدخل الإماراتي يشير إلى تفضيلها التعامل مع أنظمة أو قوات يمكن التأثير عليها بسهولة، وهو ما يتكرر في السودان ممثلا في مليشيات الدعم السريع وحاضنتها قحت.

4. التموضع في القرن الأفريقي

السودان حلقة مركزية في مشروع نفوذ يمتد من الخليج إلى أفريقيا.

كشفت حرب السودان الوجه الأكثر وضوحًا للنهج الإماراتي الجديد:

دولة تصنع النفوذ قبل الأزمات، ثم تستثمر في الفوضى بعد اندلاعها.

وبينما يعاني السودان من أسوأ أزمة إنسانية، تتقدم الإمارات — بدعم غير مباشر من القوة الأمريكية — كأحد أبرز العوامل الخارجية التي أثّرت في مسار الحرب، وأضعفت الدولة، وعمّقت الانقسام.

لقد خلعَت الإمارات قفاز الحرير… وظهر الوجه الحقيقي لسياسة تضع النفوذ أولًا، حتى لو احترقت دول بأكملها وسالت دماء الشعوب أنهارًا.