ترجمة لمقال بقلم بيتر أوبرن نُشر في صحيفة ذا ناشونال الاسكتلندية يوم التاسع من ديسمبر
من المسلم به على نطاق واسع أن بريطانيا متواطئة في ما يصفه أغلب الخبراء بأنه إبادة جماعية في غزة. لقد زوّدنا إسرائيل بالسلاح، وقدمنا الدعم العسكري، ومنحنا الحماية الدبلوماسية، بينما منح رؤساء الوزراء المتعاقبون الغطاء الأخلاقي لحكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة والقاتلة.
قد يُعذر المرء إن ظنّ أن التواطؤ في إبادة جماعية واحدة يكفي لرئيس الوزراء البريطاني، السير كير ستارمر — وهو المحامي البارز في مجال حقوق الإنسان.
لكن سيكون مخطئًا. فقد عدتُ لتوي من رحلة دامت أسبوعًا إلى السودان، ذلك البلد الإفريقي الجميل – والمستعمرة البريطانية السابقة – الذي بات الآن مدمرًا بالكامل.
ما سمعته ورأيته هناك أقنعني أن كارثة إنسانية مروعة تجري على الأرض.
مستشفيات محترقة، مبانٍ عامة مدمّرة، كل مبنى مشوّه بثقوب الرصاص. هناك أدلة على الاغتصاب الجماعي، والقتل العشوائي، والتعذيب، والنهب، والسرقة. لقد كان من الخطير جدًا حتى مجرد الاقتراب، ناهيك عن دخول مدينة الفاشر في غرب السودان، التي سقطت بيد قوات متمردة قبل ستة أسابيع.
لكن التقارير الواردة مرعبة. جثث مكدسة في الشوارع بانتظار الدفن في حفر جماعية. اغتصاب جماعي. الضحايا يُستهدفون بناءً على عِرقهم أو هويتهم القبلية — وهو ما يُعد حالة إبادة جماعية مبدئية واضحة. الفارّون يُطاردون على الطرقات ويُقتلون.
تحدثت إلى مني أركو مناوي، حاكم دارفور، في مقرّه الطارئ بـ بورتسودان، المقر المؤقت للحكومة السودانية.
قال لي إن المتمردين قتلوا 27,000 شخص خلال ثلاثة أيام بعد دخول المدينة، مشيرًا إلى أن أفرادًا من عائلته كانوا من بين الضحايا. لكن يبدو الآن أن عدد القتلى قد يكون أكثر من ضعف هذا الرقم.
وبحسب سارة تشامبيون، النائبة العمالية ورئيسة لجنة التنمية الدولية في مجلس العموم البريطاني، فإن ما لا يقل عن 60,000 شخص قد قُتلوا في الفاشر. تشامبيون، التي تلقت إفادات من خبراء أكاديميين، تعتقد أن العدد الحقيقي ربما يكون أعلى من ذلك بكثير.
قالت للنواب: “سيكون ذلك أكبر جريمة فظيعة منذ تسعينيات القرن الماضي.”
ومع ذلك، فإن تقديرات تشامبيون تتعلق بالفاشر فقط.
فقوات الدعم السريع، الاسم الذي يُعرف به المتمردون حاليًا، شنّت حملة اغتصاب ونهب وقتل في معظم أنحاء السودان منذ أكثر من عامين ونصف. وقد تحدثت إلى بعض الناجين الذين خاضوا رحلات محفوفة بالمخاطر بحثًا عن الأمان.
لا يمكن إنكار أن الدعم السريع ارتكب كل جريمة يمكن تخيلها، بما في ذلك العبودية الجنسية والتطهير العرقي. بل وصل بهم الأمر إلى تصوير بعض فظائعهم ونشرها على الإنترنت.
وحشيتهم تُذكرني بتنظيم داعش في العراق، بينما تذكرنا تصرفاتهم في بعض الجوانب بحركة طالبان. لقد دمّروا أو سرقوا جزءًا كبيرًا من التراث الثقافي السوداني. المتحف القومي الشهير في الخرطوم تحوّل إلى أنقاض.
تحت قيادة زعيمهم محمد حمدان دقلو (حميدتي)، تتلقى قوات الدعم السريع التمويل والتسليح من دولة الإمارات العربية المتحدة. هذا الدور الإماراتي بات موثقًا بشكل متزايد، ومع ذلك فإن الوزراء البريطانيين يرفضون الحديث عنه بشكل مخزٍ وغير مبرر.
في مسلسل Fawlty Towers البريطاني الشهير، هناك عبارة مشهورة:
“لا تذكروا الحرب”.
أما حكومة ستارمر اليوم فتقدم نسخة حديثة من تلك العبارة:
“لا تذكروا الإمارات”.
راجعت حديثًا المداولات البرلمانية حول كارثة السودان. الوزراء لا يجرؤون حتى على ذكر اسم الإمارات، ناهيك عن إدانتها.
ومن المنطقي أن نخمن السبب. فالإمارات أكبر شريك تجاري لبريطانيا في الشرق الأوسط، ومستثمر ضخم في الاقتصاد البريطاني، أبرز أمثلته نادي مانشستر سيتي لكرة القدم. لكن يبدو أن التواطؤ البريطاني يتجاوز مجرد الصمت.
ففي العام الماضي، نشرت صحيفة الغارديان تحقيقًا أفاد بأن مسؤولين بريطانيين سعوا إلى قمع الانتقادات الموجهة للإمارات ودورها المزعوم في تسليح ميليشيا سيئة السمعة تنفذ تطهيرًا عرقيًا في السودان — وهي اتهامات نفتها وزارة الخارجية.
كما أن هناك أدلة مقلقة على أن معدات عسكرية بريطانية وصلت إلى أيدي قوات الدعم السريع عبر الإمارات. فقد كشفت حملة “ضد تجارة السلاح” الشهر الماضي أن بريطانيا سمحت بزيادة كبيرة في صادرات الأسلحة إلى الإمارات — مع علمها التام بأن الإمارات تقوم بإعادة توجيه الأسلحة إلى الدعم السريع.
وأعربت الحملة عن قلق خاص من تصدير مركبات عسكرية، مشيرة إلى أن محركات بريطانية الصنع تم العثور عليها داخل ناقلات جنود مدرعة استخدمتها قوات الدعم السريع في الإبادة الجماعية في السودان.
من جهتها، قالت منظمة العفو الدولية إن “مكونات بريطانية الصنع عُثر عليها في أسلحة استخدمتها قوات مسؤولة عن عمليات قتل واسعة النطاق ضد المدنيين.”
أما منظمة Preventing and Ending Mass Atrocities، وهي منظمة حقوقية أميركية، فقد صرّحت بشكل مباشر بأن بريطانيا “متواطئة في الإبادة الجماعية المستمرة بحق شعب دارفور.”
وأثناء عشاء مع مجموعة من الصحفيين في أم درمان، ثاني أكبر مدن السودان، اتهم الفريق أول ياسر العطا الغرب بـ التزام الصمت تجاه الإبادة الجماعية في السودان.
قال لنا: “هذا الصمت اشتراه المال الإماراتي.”
وخصّ العطا بريطانيا – القوة الاستعمارية السابقة في السودان – بنقد خاص. فبريطانيا هي “الجهة الحاملة للقلم” في مجلس الأمن، أي أنها المسؤولة عن إدارة الملف السوداني في المجلس — وهو موقع ذو نفوذ كبير.
لقد حان الوقت لإنهاء هذا الذبح.
ولكي يحدث ذلك، يجب على بريطانيا أن تضع القيم الإنسانية فوق مصالحها التجارية الأنانية.
لن يتوقف القتل في السودان إلا إذا أوقفت الإمارات دعمها لميليشيا الدعم السريع الإبادية.
بيتر أوبورن
كاتب وصحفي، ومؤلف كتاب “متواطئون: دور بريطانيا في تدمير غزة” (دار OR Books)