جذور الفجوة بين قحت والشارع — من الاعتصام إلى ما بعد الفترة الانتقالية (الجزء الأول)

جذور الفجوة بين قحت والشارع — من الاعتصام إلى ما بعد الفترة الانتقالية (الجزء الأول)

بقلم أحمد معتصم

لماذا انتم ضد قحت ” تقدم / صمود ” ؟!

لماذا برز العداء الشعبي ضد قحت (الآن تقدم / صمود)؟

منذ انطلاق تحالف قوى الحرية والتغيير (قحت) وحتى تحوله لاحقًا إلى “تقدم” ثم “صمود” هناك فجوة عميقة بين ما يقولونه من تصريحات وما يقومون به من أفعال وما يعيشه الشارع بالفعل. هذا الفجوة لم تخلق من فراغ، بل نتجت من تراكم مواقف متناقضة، تلاعب سياسي واضح ، وخيبات أمل جعلت كثيرين ينظرون إلى قحت والتحالف المدني ليس كممثل للثورة، بل كجهة مفصولة عنها، ومن شريك في الثورة ورفيق مواكب الى خصم على الثورة .

النقاط التالية عن بعض الاحداث والمواقف التي تلخّص هذا الانحراف الذي أحدث شرخًا بين قحت والجماهير:

1. التصريحات المتناقضة: “لا شراكة مع العسكر” – ثم الشراكة!

في ساحة اعتصام القيادة ، كانت تصريحات قحت قوية حماسية وواضحة على المسرح : لا شراكة حقيقية مع العسكر، ما يجري ليس تفاوض على شراكة بل مجرد “تسليم وتسلم”.

وبعد ايام قلائل تغيّرت اللغة: أصبحت قحت تقول إن العسكر سيكونون ضمن المجلس السيادي، وإن دورهم تشريفي فقط (كما وصفته بعض القيادات). وهذا التغير كان عكس طموح جماهير الثورة الذين انتظروا تمثيلاً مدنيًا كامل وليس شراكة مع العسكر :

ياخ معقولة يا اصلي جايب لي حميدتي اتفاوض معاه

الشهيد عبدالسلام كشه

هذا الانقلاب و التحول والتغير في اللغة احدث شعورًا بالخيبة بين جماهير الثورة في ساحة الاعتصام وخارجها فبدلاً من تمثيل مدني كامل اصبحت شراكة مع العسكر والجنجويد ، وفي نفس الوقت ارتفعت الشعارات ضد العسكر: “ما تدي قفاك للعسكر .. العسكر ما حيصونك ، ادي قفاك للشارع .. الشارع ما حيخونك”، لكن قحت ذهبت في الاتجاه المعاكس.

اثناء النقاش في خيبة الامل اتت صدمة تانيه وهي الشراكة مباشرة مع العسكر وان دورهم لن يكون تشريفي فقط ، بعدها أصبح النقاش في عدد الممثلين في المجلس واللي المفترض كان تكون الافضلية للشق المدني ان تكون الحصة الاكبر له ، لكنها بقت متساوية .

2. رفض المشاركة في السلطة … ثم المشاركة

أحد أهم الوعود المبكرة من قيادة قحت والتي يبدوا انها كانت في لحظة حماس هي عدم المشاركة في السلطة الحكومية (الوزارات، الولاة) فالوزارات ستكون عبر كفاءة حقيقية ، بالنسبة للولاة “فكل ولاية ترشح براها” هكذا كانت التصريحات ، وطبعاً بعد الشراكة وجدنا ابراهيم الشيخ في وزارة و مدني عباس مدني في وزارة بالإضافة الى الولاة وبعدين تبعهم خالد سلك و تسلم وزارة كذلك ، مما أثار تساؤلات حول مدى التزامها بمبدأ “الكفاءة فقط” ، هل قاصدين كفاء مهنية ولا كفاءة حزبية ؟!

هذا التناقض – بين القول “لن ندخل السلطة” والواقع “لدينا حضور” – خلق شعورًا بأن قحت لا ترفض السلطة بل أنها تلهث وراء السلطة حتى وان كان على حساب الثورة و خسارة الشارع و الدعم الجماهيري .

3. بعد مجزرة فض الاعتصام: والعودة إلى المفاوضات رغم المجزرة

بعد مجزرة فض اعتصام القيادة العامة وما رافقه من مجازر ، كان من المفترض أن تعاد قراءة التحالف المدني ومبدأ التفاوض مع العسكر من جديد. لكن المفاجئ هو أن قحت تراجعت و أعلنت في وقت قصير جدًّا عن العودة إلى طاولة التفاوض مع العسكر – اللي هو نفس الطرف الذي غدر الثوار في الشهر الكريم و قام بالمجزرة وارتكب جرائم وانتهاكات اقل وصف لها انها فظائع .

بعض المدافعين عن قحت حاولوا تبرير ذلك بأن “الشراكة خيار أقل سوءًا من حكم عسكري كامل” أو أن الشارع في تلك اللحظة لم يكن قويًا وقد يكون انكسر بسبب المجزرة او الصدمة كبيرة ولم يعد كما كان في بداياته. والرد على العسكر والشكوك دي كانت في مليونية 30 يونيو اللي كانت عبارة عن زلزال واثبت انه الشارع لسه حي ولسه متمسك بالثورة و مطالبها.

هنا اتت لقحت فرصة انها على الاقل لو استكملت التفاوض و ذهبت في طريق انها تكون ذات الطرف الاقوى و الكعب الاعلى في التفاوض وتفرض شروطها وشروط الشارع على العسكر ، الشارع كله واقف معاك و داعمك او حتى الما واقف معاك فهو ضد العسكر وعندك دعم اقليمي و دولي ” وان كان في العلن بس ” و الكيزان شوكتهم مكسورة و مصدومين ، محتاج شنو تاني عشان تخت رجل على رجل وتملي شروطك ؟!

4. تقييد لجان المقاومة ودمجها مع اللجان الشعبية

خلال فترة ما بعد التوقيع وبدء الفترة الانتقالية ، حاولت قحت (من خلال كوادرها) دمج لجان المقاومة مع “لجان الحي” (اللجان الشعبية) في لجنة واحدة. الهدف المعلن ربما كان تنظيمًا، لكن التفسير الشعبي الثوري كان مختلفًا: فمن ناحية ترى انها محاولة لتقليص استقلال لجان المقاومة الثورية، والتحكم بالنشاط الشعبي من الأعلى، مما يضعف الإشراف الشعبي الحقيقي.

هذا المقترح لم يمر ، لأن قوبل بمقاومة داخلية من تروس اللجان ،الاثنين عملهم مختلف وان توافقوا في بعض المهام والواجبات تجاه الحي . فكان صراع بين كوادر السلطة اتي تمرر اجندتها وتتحكم في الشارع ، وبين تروس الشارع الذي بطالب بفصل العمل الحزبي عن عمل اللجان وانه بسيطرة قاعدية من الأسفل وليس من الأعلى حرة في قرارتها دون تعليمات.

5. خطاب “المندسين والعملاء” – تكرار أساليب الكيزان

من ينتقد قحت أو يعارضها داخل المشهد المدني، كثيرا ما وجهت لهم اتهامات بأنهم “كيزان” أو “مندسون” أو “عايزين تشقوا الصف الثوري” ” خائن للثورة”. هذا الخطاب لم يكن جديدًا في السياسة السودانية، لكنه كان مرفوضًا من من كوادر قحت اولاً قبل ديسمبر و من الثوار ثانياً ، لأنهم رأوا فيه انعكاسًا لخطاب النظام السابق الذي كان يوصيهم بعدم التفكير النقدي: “أنت بالتأكيد مع جهة سايقك وغشاك”، “أنت عميل” .. هكذا اتهامات لا يرميها إلا من كان على باطل وضعيف الحجة .

النتيجة؟ زيادة الفجوة بين قحت و الشارع و اشتداد الخطاب.