مليشيا الدعم السريع: ماهيتها وأطماعها والأسباب الخفية وراء سعيها للسيطرة على الأراضي السودانية

مليشيا الدعم السريع: ماهيتها وأطماعها والأسباب الخفية وراء سعيها للسيطرة على الأراضي السودانية

بقلم عبادة الطاهر

منذ مطلع الألفية الثالثة، أصبح القرن الإفريقي محط أنظار القوى الإقليمية والدولية، إذ ازدادت أهمية البحر الأحمر كأحد أهم الممرات التجارية في العالم، حتى صار يُعد امتدادًا معاصرًا لطريق الحرير التاريخي، ومعبراً رئيسياً لتبادل الغاز والبترول والبتروكيماويات بين آسيا وأوروبا.

ويُعد السودان حلقة الوصل بين القارات الثلاث (إفريقيا، وآسيا، وأوروبا)، مما جعله يحظى باهتمام خاص يفوق بقية دول المنطقة. فقد وجّهت بعض الدول ذات الأطماع الاستعمارية الحديثة تركيزها نحوه، وسعت عبر أذرعها الاستخباراتية ووكلائها المحليين إلى توسيع نفوذها ومحاولة السيطرة على ميناء بورتسودان، الميناء البحري الرئيسي والوحيد للدولة السودانية، لما يمثله من أهمية استراتيجية واقتصادية بالغة.

إبان حكم نظام الإنقاذ، برزت جماعات مسلحة عُرفت لاحقاً باسم مليشيات الجنجويد، والتي كانت تتلقى دعماً مباشراً من الحكومة آنذاك لمواجهة الحركات المسلحة في إقليم دارفور. وقد ارتكبت هذه الجماعات انتهاكات جسيمة بحق المدنيين على خلفيات عرقية وسياسية، إلا أن النظام البائد عمل على التعتيم الإعلامي على تلك الجرائم لأنها كانت تخدم مصالحه في إحكام السيطرة على الإقليم.

ومع مرور الوقت، جرى تقنين وضع تلك المليشيات تحت مسمى «قوات الدعم السريع»، وسُنّ قانون برلماني ينظم عملها ويمنحها شرعية رسمية.

وبعد سقوط نظام الإنقاذ عقب ثورة ديسمبر المجيدة، تعاظم دور قوات الدعم السريع في المشهد السياسي، خاصة بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) الذي شغل منصب نائب رئيس مجلس السيادة، إضافة إلى رئاسته للجنة الاقتصادية خلال الفترة الانتقالية. وبقرار من مجلس السيادة، تم تعديل قانون الدعم السريع، ومن هنا بدأ التوسع الفعلي لنفوذها.

فمع هذا التعديل، دخلت القوات مرحلة جديدة من التمكين الذاتي، إذ أصبحت تعمل ككيان شبه مستقل عن المؤسسة العسكرية الرسمية، وتمتلك مصادر تمويلها الخاصة وشبكاتها الاقتصادية داخل وخارج السودان. هذا الاستقلال المالي والعسكري جعلها تتصرف كدولة داخل الدولة، وتوسّع نشاطها في مجالات الاقتصاد، خاصة تجارة الذهب والتعدين، حيث سيطرت على مناطق إنتاج الذهب في دارفور وجبال النوبة.

ومع اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023، انكشفت النوايا الحقيقية لتلك المليشيا، إذ لم تعد أهدافها تقتصر على المنافسة السياسية أو المشاركة في السلطة، بل امتدت إلى السعي للسيطرة الكاملة على مفاصل الدولة السودانية، بدءاً من العاصمة الخرطوم، مروراً بولايات الغرب، ووصولاً إلى الموانئ الاستراتيجية في الشرق.

وتشير تقارير عديدة إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة لعبت دورًا بارزًا في دعم مليشيا الدعم السريع لوجستياً وعسكرياً، من خلال توفير خطوط إمداد غير مباشرة عبر دول الجوار، وإرسال مساعدات تُستخدم لأغراض عسكرية تحت غطاء إنساني. ويُعتقد أن هذا الدعم يأتي في إطار مساعٍ إماراتية لتأمين نفوذ طويل الأمد على البحر الأحمر وضمان السيطرة على الموانئ والممرات التجارية الحيوية، وذلك عبر وكلاء محليين يضمنون تحقيق مصالحها في المنطقة.

تقف خلف هذه المساعي أطماع متعددة؛ بعضها اقتصادي يتمثل في السيطرة على الموارد الطبيعية كالذهب والأراضي الزراعية والموانئ، وبعضها جيوسياسي يرتبط بمحاولات قوى خارجية – وفي مقدمتها الإمارات – إيجاد موطئ قدم دائم لها على البحر الأحمر.

ولا يمكن إغفال البعد العرقي والاجتماعي في مشروع الدعم السريع، إذ سعت قياداته إلى تغيير البنية السكانية في بعض مناطق السودان لصالحها، عبر سياسات ممنهجة من النزوح القسري والتطهير العرقي، مما تسبب في مآسٍ إنسانية واسعة.

في المحصلة، تُعد مليشيا الدعم السريع أداة إقليمية في مشروع استعماري جديد، يهدف إلى إعادة تشكيل خريطة السودان بما يخدم مصالح قوى تبحث عن الموارد والموقع الاستراتيجي، بينما يدفع الشعب السوداني ثمن هذا الصراع دماً ودماراً وتشريداً، في واحدة من أخطر الحروب التي عرفها تاريخه الحديث
#حماية_السودان
#السودان_ينتصر